قصّة رهف

“عزّة نفسنا لا تسمح لنا بأنْ نستسلم”

– قصّة الشّدائد التي واجهَتْها رهف، وهي شابّة سوريّة تبني حياة جديدة في هولندا.

لقد أدّى الصراع الدّائر في سوريا إلى تمزيق أوصال البلاد وتشتيت الشّعب، فيتوزّع أحد عشر مليون لاجئٍ في كلّ أنحاء أوروبا والشرق الأوسط. وقد اضطرّ جميعهم إلى مواجهة واقع أنّ معظمهم باقون حيث هم مع تلاشي الحلم بالعودة يوماً. هؤلاء، وفي اجتهادهم لبناء حياةٍ جديدةٍ لأنفسهم، يواجهون تحديات اجتماعية ونفسية مختلفة. كيف يندمج اللاجئون اندماجاً كليّاً في مجتمعٍ جديدٍ ويظلّون في آنٍ معاً متشبِّثين بهويّتهم السورية؟ كيف تخرج من تصنيف “لاجئ” ويُنظَر إليك كعاملٍ قويٍّ ومؤهَّل؟ يجمع برنامج أصوات فاعلة الشباب السوريين فيُتيح لهم أنْ يعملوا معاً، ويبنوا حياةً جديدةً، ويرفعوا الصوت. رهف هي واحدة من هؤلاء الشباب، ولها قصّة ترويها.

تبلغ رهف، الحلبيّة الأصل، ثلاثة وثلاثين عاماً. هي تعيش في هولندا منذ سنتَيْن ونصف. كانَتْ غادرَتْ سوريا على عجلة إذ كان عليها أنْ ترحل في غضون أسبوعٍ واحدٍ. وقد استعانَتْ بخدمات المهرِّبين غير الشرعيّين، حالها حال اللاجئين الآخرين، لتسافر في البحر. تقول رهف: “الرّحلة كانت شاقّة، لا شكّ في ذلك. لكنّني عزّيْتُ نفسي بحسّ الفكاهة. لقد اعتبرْتُ الرّحلة مغامرة، رحلة سائح”.

تجابه رهف المصاعب بالإيجابيّة وهي تحاول أنْ تُطبِّق هذه الإيجابيّة على كلّ ما تصادفه. لكنْ أحياناً، لا مفرّ من النّدوب التي يتسبّب بها الاصطدام بالحائط مراراً وتكراراً. ولم تتسهّل أمورها حين وصلَتْ أخيراً إلى هولندا. تقول:

“من الصّعب انْ تأتي إلى بلادٍ غريبة لا تعرف عنها البتّة. كلّ ما فيها غريبٌ، العادات والتقاليد، اللغة، الناس، طريقة التّعامل مع الآخرين. ينبغي على الواحد منّا أنْ يجد سبيلاً جديداً ليتعامل مع كلّ ما حوله، وهذا مسعى شاقّ”.

التحدّيات التي يواجهها اللاجئ ترتبط بالسياق الذي يعيش فيه. فهؤلاء الذين استقرّوا في الشرق الأوسط لا بدّ أنْ يواجهوا مشقّات تختلف عن هؤلاء الذين استقرّوا في أوروبا. تُفيد رهف: “لكنْ دائماً ما نبدأ من الصّفر. حتّى هؤلاء الذين يعيشون في جوار سوريا، فقد ينعمون بتشارُك اللغة نفسها غير أنّهم يواجهون تحديات كبيرة أخرى، كالسّعي وراء توفير الاحتياجات الأساسيّة. وقد يتهيّأ لهؤلاء أنّ السوريين في أوروبا يعيشون في الهناء والسعادة، في حين أنّنا نواجه مشاكل أخرى. قد تكون احتياجاتنا الأساسيّة مُوفَّرَة لنا، ولكنّنا ما زلنا نعاني. نحن نعاني من ضغطٍ نفسيٍّ شديدٍ. نحن السوريون، نفوسُنا صلبة. نحن لا نستسلم. وعزّة نفسنا هي التي تحكمنا”.

تمدّ عزّة النفس رهف بالقوّة التي تلزمها لتكمل المسير، غير أنّها تحتاج أحياناً أيضاً إلى التخلّي عن عزّة نفسها هذه في سبيل بناء حياةٍ جديدةٍ. مِثالٌ عل ذلك كان حين وجدَتْ عملاً. تقول رهف: “عملْتُ كمنسّقة برامج في سوريا لمشروعٍ مجتمعيّ بعنوان “جسور سلام”. ولمّا ذهبْتُ لأقدّم طلبات عمل أو أتطوّع ههنا، قوبِلَتْ خبرتي بالاستخفاف في كلّ مرّة. بقيتُ دون عمل، طيلة سنتَيْن كاملتَيْن. ثمّ، وبعد مرور سنتَيْن، تمكّنْتُ أخيراً من إيجاد عمل، ولو أنّه عمل تطوّعي. فقد قُبِلْتُ كسكرتيرة، لأنّ أصحاب العمل احتاجوا إلى متحدِّثٍ ناطقٍ بالعربيّة والإنكليزية معاً. اضطرِرْتُ أنْ أتخلّى عن خبرتي كلّها، بل اقتنصْتُ الفرصة إذ وجدْتُ فيها سبيلاً للتعلُّم”.

يتصارع العديد من الشباب السوريين، خلال عمليّة التأقلم مع حياةٍ جديدة، مع مشاعر الوحدة نظراً لكونهم استقرّوا في بلدٍ جديدٍ بمفردهم أو نظراً لافتقادهم لبعض أفراد الأسرة. طيلة سنة ونصف، عاشَتْ رهف وحيدة تنتظر زوجها أنْ يوافيها. كانَت الحياة أصعب عليها قبل وصوله. تقول:

“شعرْتُ بنقصٍ في مكانٍ ما إذ لم أجد مَنْ يشجّعني ويدعمني. عندما وصل، بنى لي عائلةً مجدّداً ونظام دعمٍ، وجعلني أشعر بالأمان. هو منحني شعوراً بالأمان ينبع من التّوجيه والدّعم”.

إنّ التحلّي بالقوّة، ورَفْع الصّوت، وصَوْن عزّة النفس هي مهمّات تصعب أكثر فأكثر في ظلّ انعدام نظام دَعْم. فكيف يحافظ المرء على القوّة وهو يرضخ لكلّ هذه الضّغوط ويجتاحه ذاك الشّعور بالوحدة؟ القوّة، وعزّة النّفس، والقدرة على رَفْع الصوت، هي ميزاتٌ تجدها في أعماق نفسك ولكنّها تتعزّز وتنمو بتشجيعٍ من الآخرين. تذكر رهف: “من هنا أهميّة وجود مشاريع مثل أصوات فاعلة. فهذه المشاريع تساعد السوريّين الآتين من كلّ مكان، لكي يجدوا شبكة دعم ويرفعوا الصوت عالياً. فلا يكونون مجرّد “لاجئين”، وقد نُزِعَتْ عنهم كلّ قيمة، بل بات بإمكانهم أنْ يكونوا أكثر من مجرّد أرقام”.

يجمع مشروع أصوات فاعلة الناس مُتيحاً لهم بأنْ يتشبّثوا بعزّة نفسهم. لقد وفّر لهم الدّعم حتّى وقت كان نظام دعمهم الذي اعتادوا عليه بعيداً عنهم. بات بإمكانهم أنْ يجتمعوا معاً ويرفعوا الصوت. تعتبر رهف هذا النّظام أساسيّاً على صعيدَيْن متكافئيْن: للتكيُّف مع حياةٍ جديدةٍ وللعودة إلى الوطن في النهاية. تتابع رهف حديثها فتقول: “علينا أنْ نستمدّ قوّتنا من بعضنا البعض، وندفع أحدنا الآخر إلى اتّخاذ الخطوة الأولى للاندماج في المجتمع الجديد. لكنْ وفي الوقت نفسه، نحن نركّز على دَعْم أنفسنا وتطويرها، وفِعْل المِثْل للآخرين، لكي وفي يومٍ من الأيّام، متى عُدنا إلى الوطن الأمّ، لا ندخل البلد خاوي الأيدي”.